الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
254
تفسير روح البيان
الوجود إلى نفسه وبقي بربه وبكمالاته اللهم اجعلنا من المهديين إلى هذه الرتبة العظمى والكعبة العليا واصرفنا في مسالكنا عن الانحراف إلى شئ من الآخرة والدنيا وَلِكُلٍّ اى لكل أمة من الأمم اعني المسلمين واليهود والنصارى وِجْهَةٌ اى قبلة وجهة هُوَ راجع إلى كل مُوَلِّيها اى محول وموجه إلى تلك الجهة وجهه فقبلة كل أمة من أهل الأديان المختلفة مغايرة لقبلة الأمة الأخرى فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ اى إلى الخيرات بنزع الجار والمراد جميع أنواع الخيرات من امر القبلة وغيره مما ينال به سعادة الدارين والمعنى لكل أمة قبلة يتصلبون في التوجه إليها بحيث لا ينصرفون عنها إلى القبلة الحق وان أتيتهم بكل آية دالة على أن القبلة هي الكعبة وإذا كان الأمر كذلك فاستبقوا أنتم وبادروا إلى الفعلات الخيرات وهي ما ثبت انه من اللّه تعالى ولا تقتفوا اثر المكابرين المستكبرين الذين يتبعون أهواءهم ويلقون الحق وراء ظهورهم فإنهم انما يستبقون إلى الشر والفساد إذ ليس بعد الحق الا الضلال * قال بعض أهل الحقيقة معناه كل قوم اشتغلوا بغيرنا عنا واقبلوا على غيرنا فكونوا معاشر العارفين لنا واشتغلوا بنا عن غيرنا فان مرجعكم إلينا كما قال تعالى أَيْنَ ما اى في أي موضع تَكُونُوا أنتم وأعداؤكم يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً يحشركم اللّه إلى المحشر للجزاء ويفصل بين المحق والمبطل فهو وعد لأهل الطاعة ووعيد لأهل المعصية إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على الأمانة والاحياء والجمع وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ اى من أي مكان وبلد خرجت اليه للسفر فَوَلِّ وَجْهَكَ عند صلاتك شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ تلقاءه فان وجوب التوجه إلى الكعبة لا يتغير بالسفر والحضر حالة الاختيار بل الحكم بالاسفار مثله حالة الإقامة بالمدينة وَإِنَّهُ اى هذا المأمور به وهو تحويل القبلة إلى الكعبة لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ اى الثابت الموافق للحكمة وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فيجازيكم بذلك أحسن جزاء فهو وعد للمؤمنين وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ اليه في أسفارك ومغازيك من المنازل القريبة والبعيدة فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ أيها المؤمنون من أقطار الأرض مقيمين أو مسافرين وصليتم فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ من محالكم شَطْرَهُ كرر هذا الحكم وهو التحويل وتولية الوجه شطر المسجد لما ان القبلة لها شأن خطير والنسخ من مظان الشبهة والفتنة وتسويل الشيطان فبالحري ان يؤكد أمرها مرة غب أخرى مع أنه قد ذكر في كل مرة حكمة مستقلة لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ متعلق بقوله فولوا والمعنى ان التولية عن الصخرة إلى الكعبة تدفع احتجاج اليهود بان المنعوت في التوراة قبلته الكعبة واحتجاج العرب بأنه يدعى ملة إبراهيم ويخالف قبلته وقوله عليكم في الأصل صفة حجة فلما تقدم عليها امتنع الوصفية لامتناع تقدم الصفة على الموصوف فانتصب على الحالية إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ استثناء من الناس اى لئلا يكون حجة لاخد من اليهود الا للمعاندين منهم القائلين ما ترك قبلتنا إلى الكعبة الا ميلا إلى دين قومه وحبا لبلده ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء ولا لأحد من العرب من أهل مكة الا للمعاندين منهم الذين قالوا بدا له فرجع إلى قبلة آبائه ويوشك ان يرجع إلى دينهم وتسمية هذه الكلمة الشنعاء حجة مع أنها أفحش الأباطيل لأنهم كانوا يسوقونها مساقها ويوردونها موقعها